محمد حسين علي الصغير

124

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

فالنقض الحقيقي : « إزالة التأليف والالتيام ، ثم تشبه به ترك الوفاء بمقتضى العهود والعقود ، شبه العهد والعقد بشيء ألف محكما ثم أزيل تأليفه بنقضه مع أن بقاء تأليفه أصون من نقضه ، والعهود في نفسها لا تنقض وإنما تنقض أحكامها » « 1 » . وما يقال في كلمتي « النقض » و « القطع » يقال في « يوصل » فليس المراد بها وصل الشيء المادي بشيء مثله ، كوصل الحبل بالحبل ، والقطعة بالقطعة ، والبناء بالبناء ، بل المراد هو المعنى الاستعاري من اللفظ ، وهو البر خلاف القطع في معناه الاستعاري . وكل هذه الألفاظ في الآية الكريمة ، إنما استعيرت من المحسوس لإثبات أمر عقلي في أشكاله كافة . 3 - قوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ . . . « 2 » فقد استعار الذوق ، وهو مما يحس في الطعم إلى الخوف وهو مما يدرك في النفس ، وإلى الجوع وهو مما يعرف بالعقل ، والجوع والخوف يدركان ، ولا يلبسان ، فعبر عن شدة الملابسة لهما باللباس . ولعل الشريف الرضي ( ت : 406 ه ) من أقدم من كشف حقيقة هذه الاستعارة وشرحها بالتفصيل في قوله : « وهذه استعارة لأن حقيقة الذوق إنما تكون في المطاعم والمشارب ، لا في الكساء والملابس . وإنما خرج هذا الكلام مخرج الخبر عن العقاب النازل بهم ، والبلاء الشامل لهم ، وقد عرف في لسانهم أن يقولوا لمن عوقب على جريمة ، أو أخذ بجريرة : ذق غب فعلك ، وأجن ثمرة جهلك ، وإن كانت عقوبته ليست مما يحس بالطعم ، ويدرك بالذوق ، فكأنه سبحانه لما شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة حسن أن يقول تعالى : فأذاقهم ذلك ، أي أوجدهم مرارته كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير ، ووخامة الطعم الكريه ، وإنما قال سبحانه : ( لباس الجوع ) ولم يقل طعم الجوع والخوف ، لأن المراد بذلك - واللّه أعلم - وصف تلك الحال بالشمول لهم ، والاشتمال عليهم ، كاشتمال

--> ( 1 ) المصدر نفسه : 70 . ( 2 ) النحل : 112 .